يقع رَمَنا أشرمم عند كعب جبل أَرٌناتْشَلا المقدّس في تِرُوڤَنّامَلَي، مجسّداً منذ تأسيسه وحتى اليوم رمزًا عميقًا للاستنارة الروحية. تم تأسيس هذا الحرم المقدّس على يد الحكيم الموقّر شْري رَمَنا مَهارِشي، ومع مرور الأيام تطوّر ليصبح مَحجة مقدسًة تهوي إليها أفئدة المريدين على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم، مأخوذين بإغواء البحث عن الذات وتعاليم اللاثَنوية الضاربة في القِدم.
بدأت الرحلة الروحية لشْري رَمَنا مَهارِشي بصحوة ثورية في سن مبكرة حين كان لا يزال في السادسة عشرة من عمره. في عام 1896، غادر منزل عائلته في تِرُوتْشُلي وشرع في رحلة حج إلى أَرُناتْشَلا، حيث استقر في النهاية داخل الكهوف المنعزلة المتوزّعة داخل الجبل المقدّس. أقام لسنوات، في خلوة اعتكافية، متعمّقًا في الأعماق السحيقة لإدراك الذات.
ذاع صيت حضرة رَمَنا مَهارشي على نطاق واسع، مُومئاً للمريدين والمحبين الباحثين عن الإرشاد والتوجيه على طريق الاستنارة المجيء. تبلور الأشرم بالتدرّج وذلك انطلاقاً من سَمادي والدته الحبيبة أَلاگمال، كما سبق ووُضّح. البداية كانت في منتهى البساطة والتواضع إذ تم بناء سقيفة بأعمدة من أعواد الخيزران وسعف النخيل إلى جانب ضريح الأم. كانت مياه پَلي تِيرتَم تُستخدم للاستحمام، بينما كانت مياه رَمَنا تِيرتَم تُستخدم في تأدية الطقوس والشعائر. ظلّ الضامن لاستمرارية الأشرم سخاء المريدين وتبرعاتهم والتي تَكلّلت حينها بإنشاء مطبخ جماعي تلبيةً لاحتياجات الحشود المتزايدة باستمرار من الزوار. بحلول عام ١٩٢٤، توسّعت البنية التحتية للأشرم من خلال بناء كوخين إضافيين، أحدهما مقابل الـ سمادي والآخر في الجهة الشمالية. ثم بدأ العمل على بناء القاعة القديمة، الصرح المركزي للأشرم، لتكون بمثابة نواة لجلسات رَمَنا مَهارِشي ولقاءاته. في تلك البقعة، اجتمع المريدون، الذين كانوا ينحدرون من كل فَج وصوب في الهند والعالم أيضاً، في الأشرم، وكلّهم توق للانغماس في حضرة الحكيم وطلب مشورته الروحية.
أصبحت القاعة القديمة، على وجه الخصوص، النقطة المحورية للتواصل الروحي، حيث جلس المريدون في أجواءٍ هادئة محفوفةٍ بفضل رَمَنا مَهارِشي الملموس. كانت عيناه تشعّان بالحب الإلهي، وكلماته عندما ينطق بها تضيء عقول زواره. لم يتم إملاء قواعد صارمة يجب مراعاتها لممارسة التأمل، كما كان بإمكان الزوار القدوم والخروج بحرية، حتى أثناء الليل.
على الرغم من تدهور صحة رَمَنا مَهارِشي واكتشاف السرقوم في ذراعه اليسرى في عام ١٩٤٩، إلا أن ذلك لم يؤثّر على حيوية الأشرم وفعالياته. حتى بعد ولوج بَگوان الـ مَهاسَمادي في ١٤ أبريل ١٩٥٠، استمر الأشرم في النمو والازدهار تحت إشراف مريديه. كان لتعاليمه البليغة، التي تدعو إلى الاستفهام عن النفس وإدراك "أنا أكون"، صدىً عميق تَردد لدى المريدين الروحيين الذين يسعون إلى التحرر من دورة الولادة والموت.
خضع رَمَنا أشرمم على مَر السنوات اللاحقة إلى عمليات توسعة متتابعة لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الزوار، فأضيفت مرافق جديدة مثل نُزل للضيوف وقاعات للتأمل ومكتبة كبيرة، كما تم تعزيز برامج الأشرم لهدف رفد المريدين بموارد وافرة تيسّر مساعيهم في الاستكشاف الروحي.
من اللافت للنظر أن القائمين على الأشرم لم يلتمسوا التبرعات أبداً علماً أنهم لم يمتلكوا رأس المال الأولي. لطالما ولا تزال تنبع مصادر التمويل الرئيسية من المساهمات الطوعية للزوار والعائدات الناتجة عن مبيعات منشورات الأشرم. فيما يتعلّق بالمهام الرئيسية، قام كادر متخصّص من المريدين داخل الأشرم، مدفوعين حصراً بإيمانهم وإخلاصهم، القيام عليها والنهوض بها. بقي عدد الطاقم الأساسي للأشرم في حدّه الأدنى، حيث لم يتلقَ المريدون أي مقابل مادي لقاء خدمتهم، باستثناء فضل بَگوان وبركته. تؤكد الحركة المواظبة من ساعات الصباح الأولى وحتى وقت متأخر من الليل الاعتقاد الجازم بأن كلّ نشاط في الأشرم يلقى الدعم من خلال إحسان بَگوان الدائم.
في الوقت الحاضر، يضم الأشرم العديد من نُزل الضيافة موفّراً بذلك أماكن إقامة مجانية للمريدين. بالإضافة إلى ذلك، يضم الأشرم مستوصفًا يلبي الاحتياجات الطبية للأشخاص المُعوزين، وغُوشالا توفّر المأوى للأبقار، وڤيدا پَتاشالا تقدم التعليم للأولاد الصغار. تقف هذه المساعي كدليل على التزام الأشرم بخدمة المريدين الروحيين على وجه خاص والمجتمع ككُلٍّ بشكل عام، وكلّ ذلك مدعوماً بالفضل الدائم الانسياب لـ بَگوان شْري رَمَنا مَهارِشي.
لم ينشأ الأشرم على الصورة التي هو عليها اليوم هكذا على الفور، ففي البداية لم يكن هناك سوى سقيفة بأعمدة من الخيزران وسقف من سعف النخيل. على مر السنوات التالية، زادت أعداد الزوار وتدفقت التبرعات فتم بناء مباني الأشرم الرئيسية - القاعة التي كان يجلس فيها رَمَنا، المكتب، المكتبة، المستوصف، غرفة ضيوف للزوار الذكور وكوخين صغيرين للضيوف الرامين للإقامة لفترة أطول. أقامت مجموعة من السادو (الزهاد) مستوطنة في پَلاكُتّو في بستان غرب الأشرم. مع مَقدم بقرة لَكْشمي، تم بناء حظيرة أبقار بالإضافة إلى مطبخ كبير لتلبية احتياجات حشود الزوار المتزايدة باستمرار. يجدر بالذكر أن بَگوان كان مشغوفاً برعاية الأبقار وإطعام الناس، وخاصة السادويين (الزهاد) والفقراء. مع مرور الوقت، تم تشييد معبد مَتروبُتِشْوَرا فوق ضريح الأم أَلاگمَّال، وإلى يومنا هذا لا يزال المعبد قائماً حيث تؤدّى القداديس فيه على قدمٍ وساق.
ما كان رَمَنا ليسمح بإظهار أي تفضيل شخصي له إذ كان يصر على هذا الأمر تحديداً في قاعة الطعام. حتى عندما تم إعطاؤه بعض الأدوية أو المقويات، كان يرغب في مشاركتها مع الجميع. لم تكن إدارة الأشرم همّه أيضًا، وإذا ما تم إرساء قواعد وأنظمة ما، كان أول الملتزمين بها علماً أنه هو نفسه لم يضع أيًا منها. كان عمله روحانيًا بحتًا حيث كان يرشد بصمت جموع المريدين الذين تحلّقوا حوله. أصبح شقيق رَمَنا الأصغر نِرَنْجَنَنْدا سوامي (تْشِنّا سوامي) مديراً للأشرم أو سَرڤادِكاري.

كان الاهتمام كلّه منصباً على قاعة التأمل (القاعة القديمة) حيث جلس المريدون مع مَهارشي. كان الصمت الديناميكي للقاعة نابضًا بفضله ومِنته إذ كان الحب الإلهي يتلألأ في عينيه، وعند الضرورة كانت كلماته المقتدرة تنير ألباب الزوار. لم تُفرض أيّ قواعد تقتضي أن يمارس الجميع التأمل بطريقة معينة أو في وقت معين. في باكورة السنوات الأولى، لم تغلق أبواب الأشرم أبدًا، وحتى في الليل كان بإمكان الناس أن يأتوا ليلبثوا في حضرته.
نظرًا لحرصه على أن يكون لقاؤه متاحاً لجميع الزوار وفي جميع الأوقات، لم يغادر رَمَنا الأشرم على الإطلاق باستثناء الفترة المخصًصة لمشيته اليومية على الجبل في حي پَلاكُتّو (وهي مستوطنة مجاورة يقيم فيها الـ سادويين)، صباحًا ومساءً. في السنوات الأولى، كان يسير أحيانًا على الطريق الدائري المحيط بالجبل (غِري پْرَداكشينا ).
في عام ١٩٤٩ تم اكتشاف إصابة رَمَنا بالسرقوم في ذراعه اليسرى. وعلى الرغم من تلقي الرعاية الطبية المكثفة إلا أنه كان جليّاً أن أجله الجسدي قد حان. وفي مساء يوم ١٤ أبريل ١٩٥٠، عندما جلس المريدون على الشرفة خارج الحجرة التي تم بناؤها خصيصًا ليخلد فيها بَگوان إلى الراحة أثناء مرضه، طفقوا وبشكل عفوي يُرنّمون "أَرٌناتْشَلا شيڤا ". ما أن تناهى إلى سمعه ذلك حتى فتح عينيه بإشراقةٍ وابتسامةٍ ملؤهما حنان لا يوصف فانسكبت من مآقي عينيه دموع نشوة النعيم، ثم شهق نفساً عميقاً وفارق الجسد.
في تلك اللحظة عينها، أي في الساعة ٨:٤٧ مساءً، بدا وكأن شهاباً ضخماً يمشي الهوينى عبر أفق السّماء وكأنه يسير باتجاه الشمال الشرقي نحو قمة أَرٌناتْشَلا. رأى الكثيرون هذا الجُرم المضيء في قبة السماء، حتى في أماكن بعيدة مثل مدينة بومباي ، مذهولين بمظهره وسلوكه الغريب، فأرجعوا هذه الظاهرة إلى وفاة سيّدهم .
الرغم من مرور زمن طويل على تأسيسه، يظل رَمَنا أشرمم ملاذًا صامداً للباحثين عن الحقيقة، حيث يهدأ نشاز العقل ويتخلّل جوهر الوعي الخالص تجاويف القلب. اليوم، يواصل الأشرم القيام برسالته في نشر الوعي الروحي، حيث يستضيف الخلوات وجلسات التأمل التي يتردّد صداها مع الحكمة الخالدة لـ شْري رَمَنا مَهارِشي. عندما تغرب الشمس خلف جبل أَرٌناتْشَلا المهيب، وتلقي وهجها الأثيري على بَسيطة الأشرم، لا يمكن للمرء إلا أن يَحفّه شعور عميق بتبجيل هذا المَثوى المقدّس، حيث تتكشّف رقصة الذات الأبدية في روعةٍ صامتة.

