التعاليم
كانت الـ أُپَدِيشا (الإرشادات أو التعاليم الروحية) التي أفاءها بَگوان، تتسم بالسّرية إلى حد ما. على الرغم من أنه كان يتيح نفسه للجميع على حدٍ سواء، وعلى الرغم من طرح الأسئلة والإجابة عليها علنًا، إلا أن الإرشاد المقدّم إلى كلّ مريد كان شديد المباشرة ومتكيّفاً مع شخصيته [المريد]. عندما سُئل ذات مرة من قبل سوامي يُوغانَنْدا، وهو سوامي (زاهد) يتبعه عدد كبير من المشايعين في أمريكا، عن ذلك الإرشاد الروحي الذي ينبغي تقديمه إلى الناس من أجل الارتقاء بهم، أجاب: "إن ذلك يعتمد على طبيعة الفرد ونضجه الروحي؛ لا يمكن أن يكون هناك إرشاد جماعي".

كان شْري بَگوان دائم النشاط، إلا أن نشاطه هذا كان مُستتراً لدرجة أن الزوار العاديين وأولئك الذين أخفقوا في تلمسه، اعتقدوا أنه لم يقم بإعطاء أُپَدِيشا على الإطلاق، أو أنه كان غير مبالٍ باحتياجات المريدين. من المتفق عليه عمومًا أن الإدراك لا يمكن تحقيقه إلا من خلال فضل المعلم.
كان شْري بَگوان واضحاً في هذا الشأن مثله مثل المرشدين الآخرين. لذلك، لم يكن يكفي للسالك (المريد) أن يوقن أن تعاليمه سامية وحضوره ملهم؛ كان من الضروري أن يتأكّد له أنه غورو يعطي دِيكْشا (التكريس) وأُپَدِيشا (تلقين الإرشادات).

من البديهي أن المرء الذي يضطلع بدور غورو، بالمعنى الأسمى المتمثّل في إدراك هويته مع المطلق، ألّا تسمعه يتفوّه أنه غورو طالما أنه لم يعد هناك "أنا" لتأكيد الهوية؛ كما أنه لن يقول أن له مريدين، لأنه لكونه تجاوز مفهوم الآخر، لا يمكن أن تحكمه أي علاقة.
ومع ذلك، عندما كان يعتري المريد ضيقٌ حقيقي ويسعى إلى إيجاد حل لتلك الإشكالية، كان يطمئنه أحيانًا بطريقة تقطع الشك باليقين. احتفظ أحد المريدين الانكليزيين، الرائد تْشادوِك، بسجلٍ لمثل هذا التعهد والذي قُدّم له شخصياً في عام ١٩٤٠:
المريد: يقول بگوان أنه لا مريدين لديه؟
بگوان: أجل.
المريد: ويقول أيضاً أن الـ غُورو ضروري إذا ما أراد المرء تحقيق الخلاص [الروحي].
بگوان: أجل.
المريد: فماذا عليّ أن أفعل إذن؟ هل كلّ تلك السنين التي قضيتها هنا كانت مجرد مَضيعةً للوقت؟ هل يجب أن أذهب وأبحث عن غُورو يقوم بتكريسي، وذلك باعتبار أن بگوان يقول إنه ليس غُورو؟
بگوان: ما الذي تظن أنه أتى بك إلى هنا قاطعاً تلك المسافة البعيدة وجعَلك تمكث هنا كلّ هذا الوقت؟ لماذا تشكّك؟ لو كانت هناك أيّ حاجة للبحث عن غُورو في مكان آخر، لكنتَ قد رحلت منذ فترة طويلة.
المريد: إذن، بگوان لديه مريدين!
بگوان: كما قلت، من وجهة نظر بگوان لا يوجد مريدين، لكن من وجهة نظر المريد، ففضل الـ غُورو مثله مثل المحيط. فإذا ما جاء [المريد] بِكوب فسيحصل على ملء كوب فقط. لا فائدة ترتجى من التذمّر من شُحّ المحيط. كلّما كان الوعاء أكبر، كلّما كان بمقدوره أن يستوعب أكثر. الأمر عائدٌ بِرُمته إليه [أي المريد].
تْشادوِك: إذن لمعرفة ما إذا كان بگوان هو الـ غورو خاصتي أم لا، الأمر منوط بالإيمان، إذا لن يعترف بگوان بذلك.
بگوان: (يجلس منتصباً ويستدير نحو المترجم متحدّثاً إليه بنبرة جازمة) قل له: هل يريد مني أن أعطيه مستنداً خطّياً؟
يسجل البروفيسور 'ڤِنْكَت رَمَيا' في مذكراته أن بَگوان قال للسيّدة پِيغوت وهي زائرة إنكليزية، "الإدراك هو حصيلة فضل المعلم أكثر من التعاليم والمحاضرات والتأمّلات وما إلى ذلك. هذه عِلل ثانوية فقط، ولكن الفضل هو السبب الرئيسي والأساسي".
عندما سُئل عما إذا كان قد قام بالتكريس، كان شْري بَگوان يتجنّب دائماً تقديم إجابة مباشرة، لكن التكريس بالنظر كان شيئًا حقيقيًا للغاية إذ كان شْري بَگوان ينعطف إلى المريد فيَحُد بصره إليه محدّقاً فيه بإصرارٍ مَشبوب بالهَجيج. كان إذا ما اخترق أحدهم ذلك البريق، أي قوّة عينيه، سرعان ما تتحطّم لديه وتيرة الفكر. في بعض الأحيان، كان يتم استشعار الأمر كما لو أن تيارًا كهربائيًا أخذ يتدفق داخل المرء، وعلى إثر ذلك، كان [المريد] يستشعر سلامًا مترامياً أو فيضاً من النور. لقد وصف الأمر أحد المريدين قائلاً: "فجأةً، وجّه بَگوان عينيه المضيئتين والهفّافتين نحوي. قبل ذلك لم أكن أقوَ على تحمل نظراته الثاقبة مطوّلاً، أما الآن فقد نظرت مباشرة إلى تلكما العينان الرهيبتين والرائعتين؛ كم من الوقت لا أدري. لقد حملوني بينما كانت تتخلّلني حالة من الاهتزاز والذي كنت أسمع رنينه بوضوح". كان يتبع ذلك الشعور دائماً، اليقين الذي لا يقبل الشك، بأن شْري بَگوان قد أولى هذا الشخص اهتمامه، وأنه منذ ذلك الحين فصاعداً بات هو المسؤول، هو المرشد. أولئك الذين يعرفون، كانوا يدركون متى كان يحدث هكذا تكريس، لكنه عادةً يكون غير ملحوظ. قد يحدث ذلك أثناء فترة تلاوة الـ ڤِيدا أو قد يشعر المريد بدافع مفاجئ للذهاب إلى شْري بَگوان قبل الفجر أو في وقت ما عندما لا يكون هناك سوى عدد قليل من الزوار أو عندما لا يكون أحداً موجوداً على الإطلاق. كان التكريس عبر الصمت حقيقياً بصورة لا تقلّ درجة عن أنواع التكريس الأخرى، إذ كان يَنفذ إلى أولئك الذين هَفت قلوبهم إلى شْري بَگوان دون أن يكونوا قادرين على الذهاب إلى تِرُوڤَنّامَلَي. في بعض الأحيان، كان يتم إعطاؤه [التكريس] في المنام، كما هو الحال مع نَتِيشا مُدَلْيار.

